• » الحوزة العلمية

التعريف بالحوزة العلمية


كم هو مُفرح يوم الدخول إلى الحوزة، يوم الكثرة في الوحدة، يوم اجتماع كلّ القلوب في نقطة واحدة، كلّ القلوب في ذكر المهدي المنتظر، وكلّهم يعتبرون أنفسهم عشّاقاً لأهل البيت. لا يهمّ من أين جاؤوا، وماذا كان يعملون سابقاً، وإلى أي مستوىً هم في المعرفة، وبأي لغة يتكلّمون. المهم دعاء الصباح وقبول الفلاح، وهؤلاء قد قُبلوا. أمّا القبول في امتحان الدخول للحوزة ـ ليس في السير والسلوك للوصول إلى الهدف المنشود ـ فآلاف الطرق لم تُسلك، وآلاف الحكايات لم تُذكر. بعد هذا فالوحدة بلا تكليف تبدّل إلى جمع من نوع آخر، فكلّ واحد يتّجه إلى مدرسة منفردة، وإلى حجرة وصفّ منفردين، وهذا ليس بإرادته، بل بإرادة المولى. إلى الآن لم يجد نفسه، وهو في دوّامة هذه الكثرة والوحدة، يفكّر ماذا سيحلّ به؟ يسمع صوت الغيب يقول: اقرأ! أو لا; لأنّ للقراءة والكلام زمان آخر. بعد بعثة النفس وابتداء الرسالة، الآن اعرف فقط. ماذا أعرف؟! كلّ الذي يقرأه الأُستاذ ليعطيك عسل شراب وجوده. اسمع وانصت، حتّى إذا لم تقبله ولم يكن طاهراً. نظّف داخلك حتّى إذا كان من السهل الممتنع. والآن اسكب شراب طهور معرفتك في كأس الدهاق، واعمل بمعرفتك وعلمك واجعلهما للخالق تعالى وفي رضاه، ولا تؤذي أيّ مخلوق لا بلسانك ولا بعملك، ولا بيدك. كانت هذه ألفاظ كلام لأُولي الألباب; للوصول إلى الماء والانقطاع عن السراب، حتّى إذا كانوا طلاّب جامعة أو طلبة علوم دينية، شباباً كانوا أم كهولاً، من أهل القرآن والحديث وقراءة الكتب كانوا، أم من اللذين يؤذون أو يسكرون، أو من اللذين يقراءُون الغزل بين العشّاق ويعزفون آلات اللهو. لو نترك هذه الترهات التي لا طائل منها، ونستقي من النفس العنودة، والتي نعترف بعدم فهمنا لها، وأمام عملها عاجزون. يجب ـ القول بأنّ من أوّل الدخول إلى الحوزة ـ: التعرّف على زملاء السكن والدرس، حتّى لو لم يكونوا على المرام; لنتعايش سويةً في هذه الدنيا التي لا بقاء لها، ونتعلّم أُسلوب الاتّحاد والعون والتنسيق في هذا الوجود، إضافة لذلك فالطالب بحاجة إلى رفيق آخر يفهم أحدهما حديث الآخر ويكون خير عون له، وهذا الاشتراك في الرفقة والقلب واللّغة ممّا يفتح عُقد القلوب، ويسحب لكنة اللّسان، ويرفع الإشكالات، ويصبح ما تعلّمه أصيلاً، وينقش على لوح الذاكرة للأبد.

تبدأ دروس الحوزة بتعلّم الكتب الأدبية، حتّى تُختم بأدب كامل. ودراسة علم الصرف الذي يدور حول الكلمة يتعلّم فيها الطالب صياغة الجُمل. ويتعلّم أساليب الخطابة والكلام من خلال دراسة علم المعاني والبديع. ويدرس أيضاً علم المنطق الذي يعصم الفكر من الخطأ. تستمرّ هذه الدورة مدّة ثلاث سنوات. وبعدها تصل النوبة لتعلُّم أحكام الشريعة والفقه والتّدين.

ومن الجدير ذكره أنّ هذا التعليم للفقه وغيره في هذه المرحلة لا يكون بدليل واستدلال، بل كما هو موجود كالنور بين الأنوار يسطع لمعاناً. ويتعلّم أيضاً كَمّاً ـ بفتح الكاف ـ من أُصول الفقه أو قليل من مباحثه; ليستعدّ ذهن الطالب لاستقبال المسائل الآتية لاحقاً، ويتعرّف أيضاً على أُسلوب الأُصوليين وطرقهم، وهذه الفترة أيضاً تدوم ثلاث سنوات. شيئاً فشيئاً تبدأ مسألة القيل والقال واللّغط العلمي يملأ مدينة العلم، يتذوّق الطالب فيها حلاوة الدروس. الملتحقون بهذه الدورة التي تستمر أربع سنوات، يتعلّم فيها الطالب رسائل الشيخ الأنصاري وأُصول الفقه أكثر فأكثر. وبالاستفادة من مكاسب الشيخ الأنصاري يتعلّم الطالب دنيا الحلال والسير نحو الجنان، يصبح الطالب فيها أكثر فقهاً وفهماً. ومدّة أُخرى يتعايش الطالب فيها مع كفاية الآخوند الخراساني; ليُثبت كفايته، إذا تواصل مع دروسها وسخّر فكره ولسانه وقلمه لها، يرد بعد ذلك مرحلة الخارج.

والظاهر أن دروس: الرجال والدراية لتشخيص الحديث، مع دروس في الحكمة والفلسفة يأخذها الطالب في هذه المرحلة. وأمّا مرحلة الخارج: فهي تعني الخروج عن الأُسلوب التعليمي المتعارف وترك الكتاب الدراسي جانباً، والبحث عن عون من الطلاب القدماء في الدرس، والبحث في القرآن والحديث، وهي مرحلة بداية الجهد والجهاد والاجتهاد، ولا يوجد سقف زماني لها. في هذه المرحلة يجلس الأُستاذ على كرسي الدرس، ويعرض آراءه وما توصل إليه بالدليل مستعيناً بالمصادر ويستدلّ فيها، ويعرض بقيّة الفتاوى ويمحصّها، وكلّ طالب من طلاّبة ـ حسب استعداده ونشاطه وفهمه ـ يدرس مدّة قصيرة أو طويلة عنده، حتّى يوصله الأُستاذ إلى درجة الاجتهاد، ويحرّم فيها الأُستاذ عليه التقليد بعد هذه المرحلة. ومن الجدير بالذكر أنّ اعتمار العمّة يكون اختيارياً، وغالباً يبدأ من أواخر المرحلة الثانية، وكلّ جزء من هذا اللباس له مدلول ومعنى خاص.

فالأوّل: العمامة، فهي بقول رسول الله(صلى الله عليه وآله) ـ ما معناه ـ: «تاج الملائكة ودليل المعنوية».

والثاني: القباء، الذي: أوليائي تحت قبائي. والثالث: العباءة التي تستر العيوب ودليل العصمة. والرابع: النعلان اللذان: (فاخلع نعليك إنّك بالواد المقدّس طوىً).

إذن كلّ قطعة من هذا اللباس فيه معنىً دنيوياً وأُخروياً وصاحبه كذلك. فهنيئاً لأُولئك اللذين وفقوا بين الاثنين.

دخول الأعضاء






نسيت كلمة المرور
لم تکن العضو بعد؟ التسجيل

الأوقات الشرعية: مونتريال- کندا